أحمد بن محمد ابن عربشاه

77

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

واتبعوا الأقوال والأفعال فلا خير في قوال ليس بفعال ، ولا تشوهوا محاسن شيبكم بزخارف الكذب ، فإن الصدق أول ما ينبغي وأعظم ما يجب ، ووسخ كلمة واحدة بالكذب ناطقة لا ينقيه ألف كلمة صادقة ، ومن تعود الكذب في نطقه لا يعتمد على صدقه . وداروا الأعداء مداراة الأدواء « 1 » يزد صديقكم ويكثر فريقكم ، ويجل ودودكم ، ويقل عدوكم وحسودكم . وعليكم بملازمة الأخيار وإياكم وصحبة الأشرار ، ولا تطلبوا للرغبة في صحبة الأشرار سبيلا ، ولا تقيموا على ذلك أبدا دليلا ، فمن غالط نفسه في مجالسة الأشرار وطلب وفاء ممن جبل على طبيعة الفجار ، فقد أوجع نفسه بأقوى كيه وأصابه ما أصاب الفلاح مع الحية ، فسأل الأولاد والدهم على كيفية ذلك . [ 10 ] [ الفلاح والحية : ] فقال : ذكر أن واحدا من الأكياس طلب العزلة عن الناس ، ولازم انقطاعه ، وانقطع عن الجمعة والجماعة ، واشتغل لإقامة أوده بالزراعة ، وانعزل في ذيل جبل ، وصاحب حية كانت تأنس إليه بكلامه ، وتأكل من فضلات طعامه ، فترقّت بينهما المعاهدة إلى أن بلغت إلى المعاقدة بأن تكون صادقة خالية عن المماذقة « 2 » ، ولا تكون كصحبة أبناء الزمان تكرع « 3 » من الغدر في غدران ولا مشوبة بنفاق ، ولا مدخولة برياء وشقاق ، وأن تنعقد بينهما المودة والإخاء في حالتي الشدة والرخاء ، فمر على هذه مدة وكلّ حافظ عهده مراع صحبته ووده وكان الرجل إذا عنت له قضية عرضها على الحية واستشارها وأخذ أخبارها ، وتخرج هي إليه وتترامى على رجليه .

--> ( 1 ) الأدواء ، مفردها داء : العلة والمرض . ( 2 ) المفارقة . ( 3 ) كرع ، كرعا في الماء أو الإناء : أي مد عنقه وتناول الماء بفيه من موضعه . والمعنى أي شرب الغدر .